الشيخ عبد الغني النابلسي
38
كتاب الوجود
والعدم ضد الوجود ، لا خلاف الوجود « 1 » ، وإذا لم يكن مخلوقا خلاف الذي صار مخلوقا لا ضده ؛ ولهذا يجتمع الخلافان ، كان لمخلوق على وصف مخصوص مع مخلوق على وصف آخر خلاف ذلك الوصف ، ولا يجتمع الضدان اللذان هما العدم ، والوجود أصلا ، فالعدم لا يصير وجودا ، والوجود لا يصير عدما أصلا ، وغير المخلوق يصير مخلوقا في وقت ما ، والمخلوق يصير غير مخلوق « 2 » في وقت ما ؛ لأن الحوادث كلها مخلوقة على الترتيب بخلق اللّه تعالى لها من الأزل ، كذلك أيضا لم يرد في الشرع بمقتضى الكتاب والسنة أن اللّه تعالى خلق وجودا أصلا ، وإنما ورد أن اللّه تعالى خلق كل شئ ، وأنه خلق السماوات والأرض ، فالخلق منه تعالى واقع على الأشياء التي هي الحوادث المحسوسات والمعقولات كما ذكرناه « 3 » ؛ لأن الخلق منه تعالى واقع أيضا على وجود الأشياء التي هي قائمة به ، وأيضا لو كان اللّه تعالى خالقا للوجود لكان خالقا ، لا إله آخر مثله سبحانه تقوم به الأشياء وتثبت ، فإن الوجود هو
--> ( 1 ) حارت الألباب ؛ هل الموصوف بالوجود المدرك بهذه الإدراكات العين الثانية انتقلت من حال العدم إلى حال الوجود ؟ أم حكمها تعلقت علقا ظهوريّا بعين الوجود الحق ، تعلق صورة المرئى في المرآة ، وهي في حال عدمها كما هي ثابتة ، فتدرك أعيان الممكنات بعضها بعضا في عين مرآة الوجود الحق ، والأعيان الثابتة هي على ما هي عليه من العدم ؟ أو يكون الحق الوجودي ظاهرا في تلك الأعيان ، وهي له مظاهر ، فيدرك بعضها بعضا عند ظهور الحق فيها ، فيقال : قد استفادت الوجود ، وليس إلا ظهور الحق ؟ [ الدكتورة سعاد الحكيم في المعجم الصوفي ( 1152 ) ] . ( 2 ) رأى الباحثون أن ابن عربى سوى بين الخلق والخالق ، والدكتور إبراهيم هلال في كتاب « محيي الدين بن عربى » للدكتور محمود قاسم ( 288 ) ، رأى عكس ذلك ، وذهب إلى أن ابن عربى نفى التسوية بين الخلق والخالق ، فقال : إنه ليس معنى الموازاة بين اللّه والعالم والإنسان عند ابن عربى أنه يقول بفكرة التسوية الكاملة بين اللّه والعالم أو بين اللّه والإنسان ، إنما هو رغم قوله بفكرة التقابل على الصورة المتقدمة إلا أنه ينفى التسوية الكاملة بين هذه الأطراف الثلاثة . . . إلى آخر كلامه . ( 3 ) من الواجب أن نفرق دائما بين اللّه والإنسان والعالم ؛ إذ ليس معنى الخلق على الصورة ، وهو أن نسوى بين اللّه والإنسان ؛ لأننا إذا قلنا إن ( أ ) هي ( ب ) ، و ( ب ) هي ( ج ) فليس معنى ذلك أن نسوى تماما بين كل من : أ ، ب ، ج ؛ فإن العلاقة بين هذه الثلاثة ليست علاقة مساواة ، ونحن نميز فعلا ( أ ) عن كل من ( ب ) و ( ج ) ، كذلك الحق حق ، والإنسان إنسان ، والعالم عالم . [ انظر : محيي الدين بن عربى للدكتور محمود قاسم ( 288 ، 289 ) ] .